أبي منصور الماتريدي
115
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ، ثم سئل الحسن عن ذلك ؟ فقال : هو قول الله : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [ الكهف : 101 ] إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم ، فلم يستطيعوا احتمال ذلك . وفي حرف حفصة : وما كانوا يستطيعون السمع بالواو . وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي : يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء ، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا ، ما « 1 » ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة ؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان ، وحياة الدنيا والسمع والبصر مخلوقة . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ : أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع ، وما لحقهم بذلك من الذل والصغار ، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم بدلا عن النعم الدائمة . وَضَلَّ عَنْهُمْ أي : بطل عنهم ، ما كانُوا يَفْتَرُونَ : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] و ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا . . . الآية [ الزمر : 3 ] وأمثاله . وقوله - عزّ وجل - : لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ : قال أبو عوسجة : لا جرم واجب من الكلام ، أي : الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون . وقال بعضهم : لا جرم أي : نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون . وقال الفراء : قوله : لا جَرَمَ أي : لا بد ، لكن « 2 » الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا ، ولا بد في الحقيقة حقا ؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق .
--> - ذهب الفراء ، وذلك الجار متعلق أيضا ب « يضاعف » أي : يضاعف لهم بكونهم كانوا يسمعون ويبصرون ، ولا ينتفعون . والثالث : أن تكون « ما » بمعنى « الذي » وتكون على حذف حرف الجر أيضا ، أي : بالذي كانوا . وفيه بعد ؛ لأن حذف الحرف لا يطرد . والجملة من قوله : « يضاعف » مستأنفة . وقيل : إن الضمير في قوله « ما كانوا » يعود على « أولياء » وهم آلهتهم ، أي : فما كان لهم في الحقيقة من أولياء ، وإن كانوا يعتقدون أنهم أولياء ؛ فعلى هذا يكون يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ معترضا . ينظر : اللباب ( 10 / 460 ) . ( 1 ) في أ : وما . ( 2 ) في أ : ولكن .